ابن أبي الحديد

129

شرح نهج البلاغة

ابن وبرة افتخرت بينها في أنديتها ، فقالت : نحن لباب العرب وقلبها ، ونحن الذين لا ننازع حسبا وكرما . فقال شيخ منهم : إن العرب غير مقرة لكم بذلك ، إن لها أحسابا ، وإن منها لبابا ، وإن لها فعالا ، ولكن ابعثوا مائة منكم في أحسن هيئة وبزة ينفرون من مروا به في العرب ويسألونه عشر ديات ، ولا ينتسبون له ، فمن قراهم وبذل لهم الديات فهو الكريم الذي لا ينازع فضلا ، فخرجوا حتى قدموا على أرض بنى تميم وأسد ، فنفروا الاحياء حيا فحيا ، وماء فماء ، لا يجدون أحدا على ما يريدون ، حتى مروا على أكثم بن صيفي ، فسألوه ذلك ، فقال من هؤلاء القتلى ؟ ومن أنتم ؟ وما قصتكم ؟ فإن لكم لشأنا باختلافكم في كلامكم ! فعدلوا عنه ، ثم مروا بقتيبة بن الحارث بن شهاب اليربوعي ، فسألوه عن ذلك ، فقال من أنتم ؟ قالوا : من كلب بن وبرة . فقال : إني لأبغي كلبا بدم ، فإن انسلخ الأشهر الحرم وأنتم بهذه الأرض وأدرككم الخيل نكلت بكم وأثكلتكم أمهاتكم ، فخرجوا من عنده مرعوبين ، فمروا بعطارد بن حاجب بن زرارة ، فسألوه ذلك ، فقال : قولوا بيانا وخذوها ، فقالوا : أما هذا فقد سألكم قبل أن يعطيكم فتركوه ، ومروا ببني مجاشع بن دارم فأتوا على واد قد امتلأ إبلا فيها غالب بن صعصعة يهنأ ( 1 ) منها إبلا ، فسألوه القرى والديات ، فقال هاكم البزل قبل النزول فابتزوها من البرك وحوزوا دياتكم ، ثم أنزلوا ، فتنزلوا وأخبروه بالحال ، وقالوا : أرشدك الله من سيد قوم ، لقد أرحتنا من طول النصب ، ولو علمنا لقصدنا إليك ، فذلك قول الفرزدق : فلله عينا من رأى مثل غالب * قرى مائة ضيفا ولم يتكلم ( 2 ) وإذ نبحت كلب على الناس إنهم * أحق بتاج الماجد المتكرم

--> ( 1 ) هنأ الإبل يهنؤها : طلاها بالهناء ، وهو القطران . ( 2 ) ديوانه 759 ، وروايته : " ألا هل علمتم ميتا قبل غالب " .